يُعدّ المجلس التركماني السوري الكيان السياسي الذي مثل التركمان السوريين خلال سنوات الثورة السورية، إذ جرى تأسيسه في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، بدعم ورعاية من فخامة رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، ليكون مظلة سياسية جامعة تعبّر عن تطلعات التركمان، وتحافظ على حقوقهم وهويتهم الوطنية ضمن الإطار السوري العام.
وخلال مسيرته السياسية، مرّ المجلس التركماني السوري بعدة إدارات وتجارب تنظيمية، حقق بعضها نتائج إيجابية ونجاحات ملموسة، في حين تعثّرت إدارات أخرى، ولا سيما في الدورة الأخيرة وما بعد مرحلة التحرير. إلا أن هذا التعثّر لا ينبغي فهمه بوصفه فشلًا للمجلس كمؤسسة، بل هو تعثّر إداري مرحلي فرضته ظروف سياسية وأمنية وانتقالية معقّدة.
وفي الواقع، يعكس هذا المشهد جانبًا إيجابيًا من التجربة السياسية التركمانية، إذ يُظهر وعي المجتمع التركماني وقدرته على ممارسة النقد الداخلي، والتمييز بين المؤسسة وبين القائمين على إدارتها، مع الحفاظ على الكيان وعدم التفريط به رغم الإخفاقات. ويُعدّ ذلك مؤشرًا واضحًا على نضج سياسي وديمقراطي، حيث يُنظر إلى التجارب المتعثّرة باعتبارها فرصًا للإصلاح والتطوير، لا مبررًا للهدم أو الإلغاء.
وتتمثّل الرؤية الجوهرية للمجلس التركماني السوري في كونه كيانًا معترفًا به من قبل تركيا والولايات المتحدة والحكومة السورية الحالية، إضافة إلى امتلاكه تاريخًا بارزًا ومشرّفًا في مسار الثورة السورية، سياسيًا وعسكريًا. ورغم تعثّر بعض التجارب، ومنها تجربة الإدارة الحالية، فإن المجلس لا يزال يُعدّ أكبر استحقاق سياسي للتركمان السوريين، وأهم إطار جامع يمثلهم في المشهد الوطني.
كما يجب التأكيد على أن الجسور التي يمكن أن يبنيها المجلس التركماني السوري مع الحكومة السورية سيكون لها دور فاعل ومؤثر على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، ولا سيما أن هذا المجلس لعب دورًا محوريًا في مسار الثورة السورية سياسيًا وعسكريًا. ومن هذا المنطلق، فإن أي إضعاف أو خسارة يتعرّض لها المجلس لا تُعدّ خسارة تركمانية فحسب، بل خسارة وطنية بامتياز.
وفي هذا السياق، تكتسب مبادئ الدولة الاجتماعية أهمية بالغة في مسار بناء سوريا الجديدة. فالدولة الاجتماعية لا تقتصر على تحقيق الأمن والاستقرار السياسي فحسب، بل تقوم أيضًا على ضمان العدالة الاجتماعية، وتمكين جميع فئات المجتمع من الوصول العادل إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وانطلاقًا من ذلك، يضطلع المجلس التركماني السوري بدور محوري في الدفاع عن حقوق المجتمع التركماني في مجالات التعليم والعمل والخدمات الاجتماعية، والحفاظ على الهوية الثقافية، وذلك ضمن إطار مؤسساتي منظم.
إن ترسيخ مفهوم الدولة الاجتماعية من شأنه الإسهام في معالجة التهميش والمعاناة البنيوية التي تعرّض لها التركمان السوريون، كما يشكّل ركيزة أساسية لتعزيز السلم الأهلي وترسيخ الوحدة الوطنية، بما يضمن شراكة حقيقية بين جميع مكونات الشعب السوري في بناء دولة المواطنة والمؤسسات.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يمتلك المجلس التركماني السوري إمكانات حقيقية لفتح آفاق تعاون وشراكات استراتيجية مع الدول ذات الامتداد التركي، وفي مقدّمتها تركيا، وأذربيجان، وأوزبكستان، وكازاخستان، وتركمانستان في آسيا الوسطى، إضافة إلى تركمان العراق.
وإلى جانب ذلك، تتوافر فرص مهمة لتطوير التعاون الاقتصادي بما يتيح بناء شبكة علاقات إقليمية داعمة، تسهم في جذب الاستثمارات، وتنشيط مشاريع إعادة الإعمار، وتعزيز التنمية المحلية في المناطق ذات الوجود التركماني. ويُعدّ هذا الدور الاقتصادي المحتمل إحدى الركائز الأساسية لتعزيز مكانة المجلس التركماني السوري، وتحويله إلى فاعل مؤسساتي يسهم بفعالية في دعم الاقتصاد الوطني السوري خلال مرحلة البناء ما بعد الثورة.
ومن هنا، فإن الحفاظ على المجلس التركماني السوري يُعدّ واجبًا وطنيًا، كونه كيانًا وطنيًا بامتياز، وليس مجرد إطار سياسي عابر. ومع كامل الاحترام للآراء التي ترى أن المجلس لم يعد له دور بعد سقوط النظام البائد، إلا أن الواقع السياسي الراهن يفرض حقيقة واضحة، وهي أن تركمان سوريا يستحقون تمثيلًا مؤسساتيًا فاعلًا في هذه المرحلة الحساسة والمفصلية من تاريخ البلاد.
ويزداد هذا الاستحقاق وضوحًا في ظل صدور المرسوم رقم (13) المتعلق بالإخوة الأكراد السوريين، وهو مرسوم نرحّب به وننظر إليه بإيجابية، انطلاقًا من إيماننا العميق بالشراكة الوطنية والعدالة بين جميع مكونات الشعب السوري. غير أن هذا الترحيب لا يمنع شعورنا بالحزن المشروع باسم القومية التركمانية، التي تُعدّ مكوّنًا أصيلًا وأساسيًا من مكونات الشعب السوري، وقد قدّمت الغالي والنفيس دفاعًا عن وحدة الأراضي السورية وإنجاح الثورة السورية.
إن العدالة الوطنية تقتضي أن يحظى التركمان السوريون بالتمثيل الذي يليق بتضحياتهم ودورهم التاريخي، وأن يبقى المجلس التركماني السوري إطارهم الجامع والشرعي، وجسرهم السياسي والمؤسساتي في هذه المرحلة الدقيقة من مسيرة بناء سوريا الجديدة؛ دولة المواطنة والمؤسسات والشراكة الوطنية.
الدكتور مختار فاتح