Dr. Muhtar Fatih Beydili

Tarih: 30.01.2026 17:28

سورية ليست فسيفساء متنافرة، ولا كعكة تُقسم بين مكوّنات، بل وطن واحد غني بتنوّعه

Facebook Twitter Linked-in

لم تكن المعركة التي شهدتها سورية منذ عام 2011 معركةً عسكرية أو أمنية فحسب، بل كانت – في جوهرها العميق – معركة مفاهيم ومصطلحات ورؤى حول الدولة والمجتمع والهوية الوطنية. وقد تسلّل إلى الخطاب السياسي والإعلامي، محلياً وإقليمياً ودولياً، مصطلح «المكوّنات» بوصفه أداة تفسيرية للواقع السوري، رغم أنه لم يكن جزءاً من القاموس السياسي السوري التقليدي، ولا من توصيف بنيته الاجتماعية عبر تاريخه الحديث.

ومع كثافة تداوله، لم يعد هذا المصطلح مجرد توصيف لغوي عابر، بل تحوّل إلى إطار ذهني يُعاد من خلاله فهم الدولة السورية بوصفها تجمع «مكوّنات» متجاورة، لكل منها مطالبها وحقوقها و«حصتها» المفترضة في السلطة والثروة. وهو تحوّل خطير، لأنه جرى في الغالب دون نقاش معرفي جاد حول دلالاته السياسية العميقة وتداعياته على مفهوم المواطنة ووحدة الدولة.

بين دولة المكوّنات ودولة المواطنة

قد يكون توصيف «دولة المكوّنات» مناسباً لتحليل تجارب سياسية محددة، مثل لبنان أو العراق، حيث نشأت الدولة الحديثة على توازنات طائفية أو قومية واضحة، وأُنتجت أنظمة حكم قائمة على المحاصصة الدستورية والسياسية، تُقسَّم فيها السلطة والوظيفة العامة وفق الانتماء الطائفي أو القومي. غير أن إسقاط هذا النموذج على الحالة السورية يُعد تبسيطاً مخلاً بالواقع، وخطأً سياسياً ومعرفياً في آن واحد.

فسورية – تاريخياً وواقعياً – ليست دولة مكوّنات، بل دولة ذات هوية وطنية عامة تشكّلت حول أغلبية ثقافية ولغوية، واحتضنت في إطارها تنوّعاً قومياً ودينياً ومذهبياً واسعاً، دون أن يتحوّل هذا التنوع إلى كيانات سياسية مستقلة أو متقابلة داخل الدولة. والفارق هنا بين «التعدد» و«التنوّع» ليس فارقاً لغوياً، بل فارق جوهري في فهم بنية الدولة.

فالتعدد القومي أو الديني، بالمعنى السياسي، يعني وجود كتل سكانية متقاربة عدداً ومتكافئة وزناً، لكل منها تمثيل سياسي مستقل، وهو نموذج نادر عالمياً واستثنائي تاريخياً. أما التنوع، وهو الحالة السورية، فيعني وجود أغلبية تمنح الدولة إطارها العام، إلى جانب أقليات قومية ودينية تعيش ضمن هذا الإطار، وتتمتع بحقوق دستورية وقانونية تصون خصوصياتها الثقافية والدينية، من دون أن تتحول إلى «شركاء سياديين» في الدولة.

المجتمع السوري: تنوّع لا انقسام

يضم المجتمع السوري تنوّعاً قومياً يتمثل بالعرب، والكرد، والتركمان، والسريان/الآشوريين، والأرمن، والشركس، وغيرهم، كما يضم تنوّعاً دينياً ومذهبياً يشمل المسلمين السنّة، والعلويين، والدروز، والإسماعيليين، والمسيحيين بمذاهبهم المختلفة، إضافة إلى الإيزيديين وغيرهم. هذا التنوع لم يكن، في تاريخه العام، مصدر صراع بنيوي أو اقتتال أهلي شامل، بل عاش ضمن إطار اجتماعي واحد، وشارك في بناء الدولة الحديثة، وفي النضال ضد الاستعمار، وفي الحياة الثقافية والاقتصادية والسياسية.

وقد شاركت هذه الفئات، على اختلاف انتماءاتها، في الحراك الشعبي والثوري بدرجات متفاوتة، وقدّمت تضحيات جسيمة دفاعاً عن الحرية والكرامة، ما يؤكد أن الصراع في سورية لم يكن صراع «مكوّنات» بقدر ما كان صراعاً سياسياً بين سلطة استبدادية ومجتمع يطالب بالحقوق والعدالة.

خطورة خطاب «المكوّنات» وحماية الأقليات

تكمن خطورة استخدام مصطلح «المكوّنات» لا في عدم دقته فحسب، بل فيما يوحي به من تصور للمجتمع بوصفه مجموعة كتل منفصلة، لا تجمعها مواطنة متساوية، بل مصالح فئوية متقابلة. ومع ترسيخ هذا التصور، يصبح الانتقال إلى منطق المحاصصة أمراً يبدو طبيعياً، بل «عادلاً»، باعتباره آلية لإدارة الدولة.

غير أن التجارب المقارنة تُظهر أن المحاصصة لا تنتج استقراراً دائماً، بل تؤدي إلى شلل سياسي، وتفكيك مؤسسات الدولة، وتعزيز نفوذ زعماء الطوائف أو القوميات على حساب المصلحة العامة، وتحويل الولاء من الوطن إلى الجماعة الفرعية. وقد رافق شيوع خطاب «المكوّنات» تصاعد خطاب «حماية الأقليات»، الذي يبدو في ظاهره إنسانياً، لكنه يُستخدم في كثير من الأحيان لتبرير التدخل الخارجي، أو لإعادة تعريف الصراع على أسس هوياتية ضيقة.

والمفارقة أن جزءاً من الأغلبية تبنّى هذا الخطاب دون وعي بتبعاته، ظناً منه أنه يعكس حداثة سياسية أو انفتاحاً ثقافياً، بينما هو في جوهره يقوّض فكرة الدولة الوطنية، ويفتح الباب أمام إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة.

الدولة الوطنية وإدارة التنوع

إن القول بأن سورية ليست دولة أقليات، بل دولة فيها أقليات، لا يعني إنكار التنوع أو الانتقاص من حقوق أي فئة، بل هو تأكيد على الإطار الصحيح لإدارة هذا التنوع. فالدولة الحديثة لا تُبنى على توازنات هوياتية هشة، بل على مبدأ المواطنة المتساوية أمام القانون، وعلى مؤسسات حيادية، وهوية وطنية جامعة تستوعب الاختلاف دون أن تجزّئ المجتمع.

وتؤكد التجارب العالمية هذا المسار؛ فالدول المستقرة لم تنجح لأنها ألغت التنوع، بل لأنها نظمته ضمن إطار وطني واضح، من دون تحويله إلى أساس لتقاسم السلطة. فألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والدول الإسكندنافية، كلها مجتمعات متعددة دينياً وثقافياً وقومياً، لكنها لا تُدار بوصفها «دول مكوّنات»، بل دول مواطنة وقانون.

استعادة البوصلة المفاهيمية

في السياق السوري، يصبح من الضروري إعادة ضبط البوصلة المفاهيمية، لأن اللغة ليست محايدة، والمصطلحات التي نستخدمها اليوم ترسم ملامح الدولة التي نريدها غداً. وإذا استمر توصيف المجتمع السوري بمنطق «المكوّنات»، فإن ذلك يمهّد – بقصد أو دون قصد – لتكريس تصورات تقسيمية تتناقض مع تاريخ سورية وهويتها ودورها.

إن سورية ليست فسيفساء متنافرة، ولا كعكة تُقسم بين مكوّنات، بل وطن واحد غني بتنوّعه، قوي بوحدته، ولا يستقيم مستقبله إلا بدولة مواطنة، لا دولة محاصصة.

الدكتور مختار فاتح

 

 

#Al_Ittıhad #BugünGünlerdenGalatasaray #Opoku #GSvKYS #GSvKAY #BeratKandili #Fulya #Icardi #Epstein #Opoku #OYUNBİZİMHAKKIMIZ #nasılolacakböyle #SarıMelekler #ErenElmalı #Vargas #Kaçış #Ekrem #Binance #Putin #Çorum #Kılıçdaroğlu


Orjinal Köşe Yazısına Git
— KÖŞE YAZISI SONU —